ابن سبعين
348
رسائل ابن سبعين
يفهم بالجملة ، وكأنه يشبه التعطيل بقول أخر . وفي علم ما بعد الطبيعة يظهر حال القوم في وصفها ، والمسائل العويصة التي ذكروها إنما ذكروها لأجل حكمهم عليها ، وفي علم الثاولوجيا يظهر أيضا ما هم بسبيله من أمرها ، وجميع العلوم ، فمن أجلها بحثوا فيها وعنها ، والمقصود العجيب فاتهم ؛ لأنهم بحثوا عنها بقدر طاقة الإنسان فقط ، وهي لا تعلم إلا بها ، وتلك المعرفة لا طريق لها إلا العلم والوحي معه والتألّه والفهم عن الأمور ، لا من جنس ما يكتسب ، والمتمدن منهم الكثير التمدن ، ويكون قد حصل الأمور الضرورية من صنائعهم ، وأخذ نفسه بالرياضة والعلم الرياضي المتوسط بين ذوات الأجسام ، وما ليست بأجسام ، ويميل إلى العلم الإلهي بنفسه ويتشبه بما يجب من العالم العلوي ، ويأخذ نفسه بتصور النفوس السارية في الأجسام الفلكية والطبيعية ، وبالعقول الثواني ، وبالمتوسطات ، وبما هناك ، وما يمكن من المثل المعلقة ، والكليات المعقولة . ويقول بالعلم : من أنا ، وأين كنت في البسائط ، وكيف كنت فيها ، وهذه النفس الناطقة أين كانت قبل أن تحل في هذا الجسد ، وكيف حلت ، وبماذا ، ولأي شيء لم تظهر على ما يجب إلا في وقت ما ، وكيف ارتباطها مع هذا الهيكل ، وكيف تنفصل ، وإلى أين ، وما سعادتها ، وما هو محلها بعد الموت ، وبماذا تتشبه ، وكيف يصلح هذا الشبه ، وبماذا يستعان عليه ، وما هي السعادة ، وما سببها بالجملة ؟ وهذه الفلسفة ما هي ، وهذه الشرائع الإلهية ما هي ، وأين يجتمع الجميع ، وكيف يظهر فضل الشرائع الجليلة على الفلسفة المعتبرة ؟ وهذا هو أحسن القوم ، وأقربهم إلى الحق وإلى أهله ، وبالجملة مذاهبهم تسعة ، أعني : الفلاسفة ، وأجلها في العلوم النظرية مذهب المشائين ، والأقدمون منهم في الإلهيات أنبه ، غير أنهم يغلطون ، وهم أقرب إلى الأنبياء ، وإلى الإيمان بهم من غيرهم ، وأرسطو ذكر أمرهم في نيقوماخيا ، وهذا الرجل كان جليل القوم في المهن ؛ لأنه في القوى والأحوال الإلهية مثل غيره ، وملك بعض الأسرار الطبيعية ، والإلهية وكتمها ، وأفلاطون في التجرد والتوجه وفهم الأحوال الإلهية أثبت ، وإن كان أرسطو أجلّ منه على الإطلاق ، فإنه توجه وكان حاله في سره . وأمّا علم وعقل فلا ينسب إلى غير هذا ، ونور اللّه لا سبيل إليه إلا بتوفيقه ، وجميع الأسباب وسائط وهمية ، وبينهم في أمر هذه الذات ، وفي صدور الأشياء عنها ، والنظر في الواجب الوجود ، والممكن الوجود ، وفي الذي ماهيته يفرض لها الوجود ، والذي ماهيته